عادت بلدة عين عيسى خلال اليومين الماضيين إلى واجهة الأحداث المشتعلة في مناطق شمالي الرقة وريفها، بعد هدوء حذر لم يدم طويلاً، حيث استهدفت القوات التركية يوم، الجمعة 10 حزيران، أطراف مدينة عين عيسى وريفها بالمدفعية الثقيلة ما ينذر باشتعال حرب جديدة في المنطقة.
وقالت مصادر خاصة في ريف الرقة الشمالي إن القوات التركية قصفت بالأسلحة الثقيلة مخيم عين عيسى للنازحين، الذي يقطنه نحو 13 ألف نازح، بينهم أفراد عائلات عناصر تنظيم الدولة الأجانب، وأضافت المصادر أن القصف التركي طال أيضاً قرية المعلق ومحيطها والواقعة شمال شرقي مدينة عين عيسى بريف الرقة الشمالي.
وتتزامن التحركات التركية الجديدة بعد هدوء قصير عملت فيه تركيا على تعزيز تحصينات قواتها المنتشرة بمحيط عين عيسى ورفع سواتر ترابية على خطوط التماس المحاذية للطريق الدوليM4، فضلاً عن إقامة عدة قواعد عسكرية مدعمة بأبراج مراقبة.
وأشارت المصادر إلى أن الأهالي في عين عيسى يتخوفون من موجة نزوح جديدة في حال حصول تصعيد عسكري جديد بين القوات التركية وقسد، ما ينذر بخسارتهم لمحاصيلهم الزراعية وبيوتهم نتيجة القصف المدفعي الثقيل، حيث يعاني المدنيين هناك من ظروف إنسانية صعبة نتيجة انحسار نسبة المساعدات الإنسانية إلى أقل من النصف منذ بدء العمليات العسكرية التركية على عين عيسى العام الفائت.
فيما يعاني السكان من قلة مياه الشرب، والتي تصل البلدة من محطة الزهراء قرب بلدة تل السمن نتيجة انخفاض منسوب مياه نهر الفرات، وبرامج التقنين التي تطبقها المؤسسات التابعة للإدارة الذاتية هناك.
أهمية عين عيسى للأطراف المتصارعة
يدل الصراع التفاوضي والعسكري الجاري حول مدينة عين عيسى على أهمية منطقة شرق سوريا بالنسبة لجميع اللاعبين الدوليين في الأزمة السورية، فالنفوذ في هذه المنطقة بات محور صراع بين روسيا التي تطمح لتحقيق اختراق في منطقة ذات مكانة اقتصادية واستراتيجية مهمة، وتركيا التي تطمع في تعزيز نفوذها في الخريطة السورية والقضاء على الميليشيات الكردية المتواجدة على حدودها وتشكل خطراً على أمنها والولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر مناطق شرق سوريا ذات طبيعة حاكمة ومفصلية في إدارة سياساتها تجاه الملف السوري.
تمتع عين عيسى بأهمية استراتيجية بسبب قربها من الطريق الدولي M4وتربط محافظات الحسكة والرقة ودير الزور شرقاً بمدينة حلب شمالاً، كما تصل عبر شبكة طرق رئيسة شرق الفرات بغربه، وتمنح الطرف الذي يسيطر عليها عسكرياً قدرة على التحكم بطرق المواصلات والإمداد اللوجستي بين مناطق عين العرب "كوباني" ومنبج بريف حلب الشرقي؛ وبمناطق الجزيرة السورية ومدن الرقة ودير الزور.
وتتهم تركيا قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بالانطلاق من عين عيسى لتنفيذ عمليات عسكرية تهدف لزعزعة الاستقرار في مناطق عملية "نبع السلام"، والسماح لقوات حزب العمال الكردستاني، باستخدام عين عيسى لتهديد الأمن القومي التركي، وتطالب بانسحاب قوات "قسد" من المدينة.
وترفض "قسد" الانسحاب على اعتبار أن المنطقة تقع خارج نطاق المناطق التي تم التفاهم عليها بين تركيا وروسيا في الاتفاق الموقع بينهما في سوتشي، في 22 أكتوبر 2019، وتطالب روسيا بالوفاء بالتزاماتها ومنع الأتراك من اجتياح المنطقة، في حين ترفض روسيا هذا الالتزام وتشترط تسليم عين عيسى لقوات النظام السوري، وهو ما ترفضه "قسد" حتى اللحظة.
وتطمح قسد في عين عيسى للحصول على نموذج مشابه لمنبج وتل رفعت حيث توجد نقاط قوات النظام والقوات الروسية على مداخل المدينتين، غير أن روسيا ترفض هذا الطرح وتطالب "قسد" بتسليم المصالح الإدارية داخل عين عيسى للنظام السوري.
المواقف الدولية في عين عيسى
تسعى تركيا عن طريق السيطرة على عين عيسى لتوسيع المنطقة العازلة في شرق سوريا، وتفكيك الكيان الكردي على حدودها، وإجهاض مشروع الإدارة الذاتية الكردية والاستفادة من تقاربها مع روسيا.
وتحاول تركيا إظهار موقفها على أنه نوع من الدفاع عن النفس ضد الإرهاب الذي تتعرض له من حزب العمال الكردستاني، كما أنه مطلب شعبي من قبل العشائر العربية في المنطقة التي عقدت سابقاً مؤتمراً لها في أعزاز، وطالبت بطرد "قسد" من المناطق ذات الأغلبية العربية.
غير أن تركيا تجد نفسها مضطرة لمراعاة التوازنات في شرق الفرات، في منطقة تتجاور سيطرتها مع القوات الروسية والأمريكية، كما تُحاذِر من استقبال إدارة بايدن بملف خلافي خطير، لذا، ورغم التحشيدات الكبيرة على أبواب عين عيسى، إلا أنها ما تزال تبحث عن أجواء ومعطيات سياسية وميدانية تفتح الطريق أمامها في شرق سوريا كما حدث عشية عملية نبع السلام.
بينما تطرح روسيا نفسها وسيطاً في الصراع بين "قسد" وتركيا، وتطرح على "قسد" تسليم مدينة عين عيسى إلى قوات النظام السوري، بحجة ردع تركيا وتفنيد ذرائعها. ولا يبدو خافياً الهدف الأساسي لروسيا، والمتمثل في تعزيز وجودها في قلب منطقة شرق الفرات، في ظل صراع مع الولايات المتحدة على مناطق النفوذ في تلك المنطقة، وترى روسيا في التهديد التركي فرصة لانتزاع عين عيسى بذريعة حماية سكانها من التهجير وحماية "قسد" من تركيا.
وتمارس روسيا سياسة ابتزاز معلنة تجاه" قسد" وذلك من خلال إصرارها على استلام المدينة أو تركها تواجه خيار عفرين، بمعنى عدم التدخل في مواجهة القوات التركية وتركها في حال عدم رضوخ "قسد" لمطالبها، مع استحالة قيام الروس بعمل عسكري برفقة قوات النظام على مناطق قسد خوفاً من دخول الولايات المتحدة على خط الصراع وفقدان روسيا للعديد من المكاسب التي استطاعت تحصيلها دون قتال أو صراع مع الجانب الأمريكي.
وينطلق الموقف الأميركي من رؤيته للتوترات الحاصلة حول عين عيسى باعتبارها مرحلية وليست استراتيجية، ولن تغير من خطوط التماس التي استقرت بعد عملية "نبع السلام" التركية،.
إلا أن الولايات المتحدة تتخوف من الاهتمام الروسي المبالغ به في المنطقة، ما يدفع الولايات المتحدة إلى إرسال مبعوثين من قواتها للقاء قادة قسد في رسالة مفادها أن الأمريكيين لازالوا يتحكمون بمناطق شرق الفرات ولازالوا يدعمون قسد وهي رسالة لباقي اللاعبين وعلى رأسهم تركيا وروسيا.